الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
58
نفحات الولاية
« الُمؤَلَّفَةُ قُلُوبُهُمْ » و « العامِلينَ عَلَيْها » أو القضاة وأمثالهم كان كلّ يتسلم سهماً من الزكاة بما يتناسب وموقعه وجهده ، كما كان النّبي صلى الله عليه وآله يميز بين المشاة والفرسان في الغنائم ؛ إلّاأنّ قسماً مهماً من الدخل كالخراج الذي يؤخذ من الأراضي الخراجيّة « 1 » والتي تشكل مبالغ طائلة فلابدّ من توزيعها بالسوية على المسلمين . بالضبط كالشي الموقوف على الأولاد والذين ينبغي أن يأخذوا منه بالتساوي كيفما كانوا وكالدعم الذي يدفع في عصرنا من بيت المال الذي يتساوى فيه رئيس الجمهورية والإنسان العادي ، وأدنى امتياز لشخصٍ دون شخصٍ مرفوض . وقد شهد عصر الخليفة الأوّل ، المنهج النبوي ومساواة الجميع ؛ إلّاأنّ التمييز بدأ منذ عهد عمر بشهادة التواريخ المعتبرة وبلغ ذروته على عهد عثمان واستمر ذلك 22 سنة حتى أصبح هذا الفعل الشنيع بالتدريج سُنّة . ولنترك الكلام هنا لابن أبي الحديد الذي بين خفايا مهمّة بالاستناد إلى التواريخ والروايات فكشف النقاب عن أغلب أسرار عصر الخلفاء وحكومة أمير المؤمنين علي عليه السلام ، فقد أورد شرحاً مسهباً هذه خلاصته : « ثم بويع - الإمام علي عليه السلام - وصعد المنبر في اليوم الثاني من يوم البيعة ، وهو يوم السبت ، لإحدى عشرة ليلة بقينَ من ذي الحجّة ، فحمد اللَّه وأثنى عليه ، وذكر محمّد صلّى عليه ، ثم ذكر نعمة اللَّه على أهل الإسلام ، ثم ذكر الدنيا ، فزهّدهم فيها ، وذكر الآخرة فرغّبهم إليها ، ثم قال : أما بعد ، فإنّه قبض رسول صلّى اللَّه عليه . . . ثم التفت عليه السلام يميناً وشمالًا ، فقال : ألا يقولنّ رجال منكم غداً قد غرتهم الدنيا فاتخذوا العَقار ، وفجّروا الأنهار ، وركبوا الخيول الفارهة ، واتخذوا الوصائف الرّوقة ، فصار ذلك عليهم عاراً وشناراً ، إذا ما منعتُهم ما كانوا يخوضون فيه ، وأصرتهم إلى حقوقهم التي يعلمون ، فيقيمون ذلك ،
--> ( 1 ) . « الأراضي الخراجية » الأراضي التي تقع بيد المسلمين في الفتوحات الإسلاميّة وتوضع تحت تصرفالمزارعين ويؤخذ منهم بالمقابل ضرائب تدعى « الخراج » والذي يبدو كثيراً بالنظر لسعة تلك الأراضي .